حيدر حب الله

140

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

ثالثاً : إنّ غاية ما تفيده الآية الكريمة - بعد غضّ النظر عن ما تقدّم - هو عدم الحقّ في رأي الأكثريّة ، لكنّ ذلك لا يعني عدم الأخذ بقول الأكثريّة النسبيّة ، أو عدم تباني الناس على تصريف أمورهم بالأكثر النسبي ، فلو كانت الآية مسوقة على نهج القانون البشري في الخلق ، فهذا يعني أنّ أكثر الخلق ضالّ ، لكن لا يعني أنّ أكثر المسلمين هم ضلّالٌ أيضاً ، حتى نمنع عن تداولهم السلطة بالأكثريّة ، فكما أنّ قول أكثر الفقهاء حجّة لحجيّة الشهرة عند بعض الأصوليين ، دون أن يجدوا في هذه الأكثرية دليلًا على بطلان قول مشهور الفقهاء ، كذلك الحال فيما نحن فيه ، فلو كانت الآية دليلًا على مخالفة أكثر الخلق للحقّ ، فهي ليست دليلًا على أنّ ما يذهب إليه أكثر أهل الخبرة باطل ، ولا أنّ ما يذهب إليه أكثر الفقهاء باطل ، ولا أنّ ما يذهب إليه أكثر الناخبين المسلمين باطل ، بل مفادها بطلان ما يحبّه أكثر الخلق ( كلّ الخلق ) . أمّا لو أخذنا الأكثر النسبي فستكون النتائج كارثيّة ، لو كان القانون عامّاً ، فإذا قلّد أكثر الشيعة مرجعاً فسيكون ذلك دليل عدم حقيّة مرجعيّته ، وإذا قال أكثر الفقهاء بحكم فسيكون ذلك دليلًا على بطلان هذا الحكم ، وهذا لم يقل به أحد على الإطلاق ، والآية بعيدة كلّ البعد عنه ، لهذا لا ربط لها بالأكثريات النسبيّة حتى نبطل بها تداول السلطة برأي الأكثرية فيما بين المسلمين ، فتأمّل جيداً في أطراف الموضوع . فالآية إمّا نفسّرها بالشكل الذي اخترناه ، أو نقول بأنّ أغلب الخلق كلّه يكرهون الحقّ ( أو الحقّ الذي هو الدين الصحيح ) ، ومن ثمّ لا علاقة لها بالديمقراطية بمعنى تداول السلطة بالانتخاب . رابعاً : إنّ الآية تفيد كراهة الأكثر للحقّ ، وهذه الكراهة إمّا أن نفهمها كراهةً